ابراهيم بن محمد البيهقي
277
المحاسن والمساوئ
كان رجلا ظهرة علنة أي لم يكتم سرّا ، وكنت كتوما لأمري ، وكان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة ، وكنت أبادر إلى ذلك ، وكان في أخبث جند وأشدّهم خلافا ، وكنت في أطوع جند وأقلّهم خلافا ، وكنت أحبّ إلى قريش منه فنلت ما شئت من جامع إليّ ومفرق عنه . وكان يقال لكاتم سرّه : من كتمانه إحدى خصلتين وفضيلتين الظفر بحاجته والسلامة من شرّه . من أحسن فليحمد اللّه وله المنّة عليه ، ومن أساء فليستغفر اللّه جلّ وعزّ وله الحجّة عليه . وقال بعضهم : كتمانك سرّك يعقبك السلامة وإفشاؤك سرّك يعقبك التّبعة ، والصبر على كتمان السرّ أيسر من الندم على إفشائه . وقال بعضهم : ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده اللصوص فيخفيه ثمّ يمكّن عدوّه من نفسه بإفشاء سرّه إليه وإظهار ما في قلبه له أو أن يظهره على سرّ أخيه ، ومن عجز عن تقويم أمره فلا يلومنّ من لا يستقيم له . وكان معاوية يقول : ما أفشيت سرّي إلى أحد إلّا أعقبني طول الندم وشدّة الأسف ، ولا أودعته جوانح صدري فخطمته بين أضلاعي إلّا كسبني ذلك مجدا وذكرا وسناء ورفعة . فقيل له : ولا ابن العاص ؟ فقال : ولا ابن العاص . وكان يقول : ما كنت كاتمه من عدو فلا تظهر عليه صديقك . وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : من كتم سرّه كانت الخيرة في يده ، ومن عرض نفسه للتّهمة فلا يلومنّ من أساء به الظنّ ، وضع أمر أخيك على أحسنه ولا تظنّن بكلمة خرجت منه سوءا إذا كنت واجدا لها في الخير مذهبا وما كافأت من عصى اللّه فيك بأكثر من أن تطيع اللّه جلّ ذكره فيه ، وعليك بإخوان الصدق فإنّهم زينة عند الرخاء وعصمة عند البلاء » . وحدّث إبراهيم بن عيسى قال : ذاكرت المنصور ذات يوم أمر أبي مسلم وصونه لذلك السرّ حتى فعل ما فعله . فقال : تقسمني أمران لم أقتحمهما * بحرص ولم تعركهما لي الكراكر وما ساور الأحشاء مثل دفينة * من الهمّ ردّتها إليك المقادر وقد علمت أفناء عدنان أنّني * لدى ما عرا مقدامة متجاسر وقال غيره : صن السّرّ بالكتمان يرضك غبّه * فقد يظهر السّرّ المضيع فيندم ولا تفشين سرّا إلى غير أهله * فيظهر خرق السّرّ من حيث يكتم وما زلت في الكتمان حتى كأنّني * برجع جواب السّائلي عنك أعجم